عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
44
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : وحمديس القطّان . قال : وسمع منه جماعة كثيرة منهم : أبو محمد بن أبي زيد ، وحسن الخرّاط . قلت : وأبو القاسم اللّبيدي ، وأبو الحسن بن الحلاف . قال : « كان أبو ميسرة رجلا صالحا عالما مشهورا بالفقه ، ثقة ، حسن الاتباع لا يخالف في فتواه ابن القاسم ، مجانبا لأهل الأهواء ، كثير الصّلاة والذكر » « 1 » . وكان يختم كلّ ليلة ختمة في مسجده روى أنه كان ذات ليلة يتهجّد ويبكي ، وقد أتى على صلاته وإذا بنور عظيم قد خرج له من حائط البيت كأنّه محراب « 2 » ، ثم قال له : تملّأ من وجهي يا أبا ميسرة فأنا ربّك الأعلى ، فبصق في وجهه وقال : اذهب يا ملعون ، فعليك لعنة اللّه فطفئ ذلك النّور من ساعته كسراب بقيعة ، وإذا به إبليس أراد أن يفتنه فنجّاه اللّه منه « 3 » . قلت : أراد بقوله : « وقد أتى على صلاته ، أي فرغ منها » ولو كان في صلاته . فالواجب إعراضه عنه ، وإنكاره بقلبه ، خاصة عليه يحمل نقل عيّاض ، فبينما هو يتهجّد « 4 » ذات ليلة من الليالي ويبكي ويدعو ، فإذا بنور عظيم ، وذكر ما تقدم . قال الأجدابي « 5 » : اشتهى أبو ميسرة مدة طويلة فقوسا ، فلمّا غلبته شهوته ، أمر رجلا فاشتراه له فأكل منه عند إفطاره ، وجلس ساعة ، ثم بصق فوقع بصاقه على لحيته ، فقال : ما هذا إلّا لذنب فعلته ، ثم بحث عن الفقّوس ، وإذا به من أرض السّلطان فتقيّأه ، وحلف أن لا يأكل فقّوسا أبدا . قلت : واعجباه هكذا تكون العلماء ! منع نفسه من أكله مع قدرته على شرائه مدة طويلة ، ثم لما اشتراه وظهر له ما ظهر ، حلف أن لا يأكله بقية عمره ، فهم أدّبوا أنفسهم رضي اللّه عنهم فتأدبت وأنشدوا : وما النفس إلّا حيث يجعلها الفتى * فإن طمعت تاقت وإلا تسلت
--> ( 1 ) ترتيب المدارك : 3 / 358 . ( 2 ) في الرياض : « كأنه البدر » 2 / 362 . ( 3 ) الخبر في الرياض : 2 / 361 - 362 . ( 4 ) في ت وط : يتجهد . والصواب يتهجّد كما أثبتنا ، لأن التهجّد صلاة الليل ، والمتهجد هو القائم من النوم إلى الصلاة . وتهجّد : استيقظ . راجع القاموس المحيط مادة « هجد » ص : 296 . ( 5 ) في ت وط : الأجذبي . والصواب ما أثبتناه .